أرابيوم / طه لمعي
كل اللذين يقصدون بيت أم محمد للتعزية بأبنائها الثلاثة, يقفون محتارين بدايةً, حيال ما سيقولونه أمام أم فقدت ثلاثة شبان, إلى أن يقابلون صمودها وقوتها, فينحنون احتراما لهذه المرأة التي تمثل المئات من أمهات سوريات كلفتهم الحرب الكثير, زرنا منزلها الريفي البسيط, أول ما يلفت النظر عند دخول البيت صور تتصدر المكان, فيها ثلاثة من جنود الجيش السوري الذين قضوا خلال المع…ارك الشرسة في أماكن متفرقة من البلاد, “أخوة في الصورة وفي الشهادة إنهم أبطال حقيقيون” هكذا قالتها أم محمد رافعة رأسها عند استقبالنا, وفي صوتها نبرة ممزوجة بين البُحّة والتحدي, تلمع في عينها دمعة ولكن لا تجد طريقها للانهمار المباشر, ما تنهمر به أم محمد كلامها الذي قالته بطريقة تجعل الأمر معقدا لمجرد التفكير بحنان الأم وما معنى أن تفقد فلذات كبدها, في حين ما زالت تحافظ على قوتها وتمارس الأعمال المنزلية القاسية.
تقول أم محمد بلهجة محلية “أولادي شهداء.. أرفع رأسي بهم.. حتى لو أنني “انضمت” لا بأس”.. ثم تقسم ” واللهي عندما أتو كأنه لدي عرسٌ.. “.
تتابع الأم بتأثرها “حزنت عليهم كثيرا.. ولكن شهادتهم في سبيل الدفاع عن الوطن رفقت رأسي عاليا”, لا تفرغ هذه الأم من الفخر بشهادتهم إلا وتتابع فخرها بشجاعة أولادها كلهم, نافية أن يكون لديها أيا من الأولاد إلا ويتمتع بأعلى درجات الشجاعة. التفتنا للحديث مع والد الشهداء الثلاثة, أبو محمد لم يكن أقل قوة من زوجته, بل على العكس تماما, رجل سبعيني, عَلا الشيب ملامحه, وجبينه الواسع بخطوط واضحة خطها الزمن, يحتضن صورة تجمع أبناءه الثلاثة, وفي صوته مزيدا من الشباب.
أبو محمد تغنّى كما زوجته بأولاده الشهداء الثلاثة مضيفا ” عندي ولدين أصيبا..
أحدهم عاجز.. والآخر ما زال يقاوم” متبعاً كلامه بإيمان وحمد وتسليم, وما يلبث حينها إلا أن يصف الشهادة بأنها أعظم ما في الدنيا مؤكدا بجملة قالها بنبرة قوية “من أحبه الله أكرمه بالشهادة” متمنيا الشهادة لنفسه أيضا ولبقية اولاده الخمسة “دفاعا عن الوطن.. عن الشرف والعرض والدين” كانت العائلة كلها مدهشة بمقدار صمودها, حيدر الشاب المصاب بطلق ناري أقعده فترة في المنزل,
كادت إصابته تقعده طوال العمر, إلى جانب أخيه العاجز, حيدر له قصة تختلف عن كثير من الشباب السوريين, ولكنه يشابه آخرين من مواطنيه في الجيش السوري, استشهد شقيقه بين يديه وهو الآخر مصاب, كانت مصيبة أوشكت أن تكون قاصمة بالنسبة له, لكن إيمانه بالوطن وبالشهادة كما يؤكد جعلت من عزيمته تقويه للعودة إلى جبهات القتال, يفتخر هو الآخر بشهادة أخوته الثلاثة, ويتمناها لنفسه مكررا ما قاله والده عن الشهادة
اخبار مصر اليوم




0 التعليقات:
إرسال تعليق